محمد بن جعفر الكتاني
268
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكثير من الناس يرى أن هذا المحل : كان خلوة للسلطان أبي يعقوب يوسف ؛ الملقب بالمنصور ، ابن عبد المؤمن بن علي الزناتي ، الكومي الموحدي ؛ المعروف عند العامة بالسلطان الأكحل ، الذي تنسب له المزارة المعروفة بالشام ، وأنه : كان أحد تلاميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني - رضي اللّه عنه - بل صرح بهذا بعض المتأخرين في تأليف له ، وربما يوافقه في الجملة ما في كتاب " شرح الصدور في مناقب الشيخ سيدي أبي يعزى [ 216 ] يلنور " : من أن أبا يعزى هذا : حضر لأيام دولة لمتونة ، من أولها إلى آخرها . قال : « ولم يمت حتى إلى زمن الخليفة الثاني من ملوك الدولة الموحدية : مولانا أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الكومي ؛ المعروف بالأكحل عند العامة ، صاحب ماء الحمة الذي يغتسل به ذوو العاهات » . ه . ويوافقه - أيضا - ما في " رحلة ابن بطوطة " من أنه : لما دخل الشام ، ودخل منها مدينة بيروت ؛ قصد منها زيارة ضريح أبي يعقوب المذكور . ونصه : « ثم سرنا إلى مدينة بيروت - وهي : صغيرة حسنة الأسواق ، وجامعها بديع الحسن ، وتجلب منها إلى ديار مصر الفواكه ، والحديد - وقصدنا منها زيارة أبي يعقوب يوسف ، الذين يزعمون أنه : من ملوك المغرب ، وهو بموضع يعرف ب : " كرك نوح " ، من بقاع العزيز ، وعليه زاوية يطعم بها الوارد والصادر . ويقال : إن السلطان صلاح الدين وقف عليها الأوقاف - وقيل : السلطان نور الدين - وكان من الصالحين ، ويذكر أنه : كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها . . . » . وانظره ؛ فقد ذكر عقب هذا حكاية لأبي يعقوب هذا مع ملك دمشق نور الدين ، وفيها أن أبا يعقوب : دخل دمشق ، ومرض بها مرضا شديدا ، وأقام مطروحا بالأسواق ، ثم استؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين ، وأقام في حراسته ستة أشهر ، حتى شعر به الملك ، فخرج من دمشق فارا بنفسه في أوان البرد الشديد ، فأتى قرية من قراها ، ونزل بها عند رجل من الضعفاء ، فأحسن ضيافته ، ووجد عنده أواني من النحاس ، استعارها لعرس له ، فأخذها منه أبو يعقوب ، وأوقد عليها النيران ، وأخرج صرة كانت عنده فيها الإكسير ، وطرح منها على النحاس ؛ فعاد ذهبا كله ! . وتركه في بيت مقفل ، وكتب كتابا إلى نور الدين يعلمه بذلك وينبهه على أن يبني مارستانا للمرضى من الغرباء ، ويوقف عليه الأوقاف ، ويبني الزوايا بالطرق ، ويرضي أصحاب النحاس ، ويعطي صاحب البيت كفايته ، وقال له في آخر الكتاب : « وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان ، فأنا قد خرجت عن ملك المغرب ، وعن هذه الصنعة . والسلام ! » ، وفر من حينه ، ففعل ذلك الملك بعد أن طلب أبا يعقوب فلم يجد له أثرا ، وبنى بدمشق المارستان المعروف باسمه ، الذي ليس في المعمور مثله .